صالح المسعودى يكتب: طارد الجوع

من الممتع حقاً أن تستمع للحكايات الجميلة التى تدور حول الشخصيات التى تركت بصمة فى حياة الغير مما استوجب بقائها فى الذاكرة أطول فترة ممكنة ، فالتاريخ لا يكذب ولا يتجمل ومن الصعب تزييف التاريخ لأنه كما يقول أحدهم : التاريخ مثل ( الفٍل ) يطفوا على سطح الماء مهما حاولت إغراقه ) ولأننا نحتاج وبشكل سريع إلى من يعيدنا إلى ذاك الزمن الجميل بكل ما فيه من قيم وسلوكيات افتقدناها فى عصرنا الحالى الذى كادت أن تنقرض فيه تلك الشيم التى اشتهرنا بها على مر العصور والتى توارثناها جيل بعد جيل وأهم تلك الشيم والسلوكيات النبيلة هو ( الكرم ) ذلك الوسالم الذى يختص به الله بعض عباده فهو منحة يجبل الإنسان عليها ولا يستطيع احد أن يتصنعه مهما قدم من طعام أو شراب للغير فهو سلوك فطرى يخلق مع الشخص . ولا أنكر أنه ينتابنى شغف شديد بالبحث والتحقق من بعض التراث القصصى الذى يتوارثه الناس فهو من يعمل على إلزام المجتمع بالحفاظ على بعض القيم والسلوكيات التى كادت تنقرض فى زماننا هذا الذى طغت فيه الماديات على كافة مناحى الحياة ناهيك عن التقدم التكنولوجى الذى تم التعامل معه بشكل جعل منه ملهاة العصر الحديث بدلاً من الاستفادة منه بشكل ينفع الحضارة الإنسانية . ولقد اخترت اليوم شخصية سمعت عنها الكثير ممن عاصروا هذه الشخصية الفذة وهى شخصية ( الشيخ عيد البريدى ) أو كما لُقِب ( بطارد الجوع ) ولقب فى بعض الكتب بحاتم العصر الحديث وذلك نسبة لحاتم الطائى احد أهم كرماء العرب فى الجاهلية ، وقبل أن نخوض فى مناقبه وصفاته نتعرف أكثر على شخصيتنا لهذا اليوم ، فقد ولد فى نهايات القرن التاسع عشر لأبوين مصريين كان لهما الفضل فى تنشئته على حب هذا الوطن واحترام ترابه الغالى وهذا الأمر كان له عظيم الأثر أيضاً فى تكوين شخصيته ، فقد نشأ وترعرع على أرض سيناء الغالية فى مجتمع ( بدوى ) محافظ على العادات والتقاليد الجميلة والتى أهمها الكرم والمروءة ونجدة اللهفان متخذاً من مكارم الأخلاق سبيلاً ليبقى فى الذاكرة الإنسانية اكبر فترة ممكنة وخاصة بعدما قام العديد من المؤرخين بالكتابة عنه وعن شخصيته الفريدة التى وصفت بالكرم الحاتمى الذى لا تصنع فيه ولا يعتريه النفاق أو البحث عن السمعة ونعود لشخصية ( طارد الجوع ) الذى ما إن بدأ مرحلة الشباب حتى قامت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 ميلادية فكان له الدور البارز مع أبناء قبيلته والقبائل الحرة فى سيناء التى كانت ومازالت تدافع عن تراب سيناء بكل ما اوتت من قوة ليكونوا مجموعات قتالية ضد ( الانجليز ) وبعد فترة ليست بالقصيرة يتم اعتقاله مع حوالى 40 شخصية من وجهاء سيناء لمدة ثلاث سنوات . ثم يصدر قرار( إنجليزى ) بإبعاده عن سيناء ، حتى لا يكون قريب من نفوذ ( الدولة العثمانية ) آن ذاك فينتقل للإقامة فى القنطرة غرب إحدى مراكز محافظة الإسماعيلية ألان ، ويبدأ من جديد حياة مختلفة عن مكان تربيته ونشأته فيظهر المعدن النفيس للرجل والذى أصبح مجلسه مكان يؤمه القاصى والدانى حتى فى أحلك الظروف التى مرت بها الدولة المصرية خاصة بين الحرب العالمية الأولى والثانية وانتشار حالة الفقر المدقع ، وبرغم كل هذه الظروف كان الرجل يفتح بيته للجميع حتى لرجالات الدولة وبل وأصبح ديوان ( طارد الجوع ) مقصداً للعلماء والفقهاء والساسة والشعراء بالإضافة إلى حجاج بيت الله الحرام الذين يأتون مشياً على الأقدام من بلاد المغرب العربى ( فى حينه ) فيمكثون فى ضيافته ما شاء الله لهم أن يستقيموا ، ومما اشتهر به ( رحمه الله ) أنه عندما كان يأتى بالطعام للديوان يجمع الفقراء بالأغنياء ( البشوات فى حينه ) وهو يقول للأغنياء ( تقدم يا باشا فوالله إن الفقير أولى منك بالصدقة ) ، فقد خصص الرجل معظم دخل أرضه الزراعية للصرف على إكرام ضيوفه وفك كرب كل محتاج يلجأ إليه. رحم الله ( طارد الجوع ) ورحم الله كل من اهتم بمكارم الأخلاق وكل من جعل عمله خالصاً لوجه الله فأثمر له ذلك أن يظل فى ذاكرة التاريخ والناس ، وهيأ له من يكتب عنه ليظهر للأجيال الحالية أننا يجب أن نتمسك بأخلاقنا وتراثنا الجميل فمن لا يملك الماضى المشرف لن يكون له مستقبل مشرق .


الاكثر مشاهده

أحمد مرتضى بعد استبعاده من عمومية الجبلاية: لعل المانع خير

ضبط سيارة نقل تحمل 9 أطنان سكر تموينى غير صالح للاستهلاك بالأقصر

آداب طنطا تنعى وفاة الطالبة آية سامح ضحية دهس ميكروباص يقوده طفل بالمحلة

إيفانكا ترامب تنشر صورا عائلية برفقة أبنائها فى عيد الشكر وتوجه رسالة إلى والدها

رئيس "تنمية التجارة الداخلية": التسوق الإلكترونى بمصر يصل لـ 400 مليار جنيه

"الصحة" تسجل 358 إصابة جديدة بفيروس كورونا و15 وفاة وخروج 106 متعافين

;