خالد أبو بكر يكتب: مصر كلها تبكى على أبنائها..من الجانى ومن المجنى عليه؟.. بين الأحلام والاحتياجات وغياب الرقابة مات زهرة شبابنا

حوالى أربعمائة شخص تجمعوا على أحد المراكب، بعضهم من مصر وبعضهم من دول أخرى، منهم الشباب والنساء والأطفال، واستطاعوا أن يصلوا إلى هذا المركب من طرق مختلفة، وباستخدام مراكب أخرى أصغر إلى أن تجمعوا جميعا فى موعد الانطلاق، و«لا من شاف ولا من درى». الحكاية، إن الناس فى بلدنا وفى بعض الدول الأفريقية اللى على قدها بيحاولوا بأى شكل من الأشكال مقاومة ظروف الحياة الصعبة، على أمل الوصول إلى مستوى أفضل لأبنائهم مع بعض من الطموح، والنظر إلى من سبقوهم إلى الدول الأوروبية، ومن نجح منهم فى الوصول من القاع إلى القمة. من هنا تأتى «عقيدة» الهجرة غير الشرعية، ولم أقل فكرة، وإنما أصفها بالعقيدة، لأن الموضوع يسيطر على وجدان هؤلاء الشباب وأسرهم بشكل يفوق بكثير وصفه كفكرة. وهذه الأسر صاحبة الظروف القاسية لم تذهب إلى السرقة أو أكل مال الغير، وإنما قاموا بما هو متبع عرفا فى قراهم ومدنهم منذ عشرات السنين بأن تقوم كل أم، ويقوم كل أب بجمع المال لابنه كى يحاول السفر لأوروبا يحاول مرة واتنين وتلاتة إلى أن ينجح فى هذا الحلم الذى تقف وراءه الأسرة مجتمعة، وهذا الأمر نراه واضحا فى قرى الفيوم والمحلة ودمياط اشتهر فيها موضوع الهجرة غير الشرعية، وأيضا ظهر فيها الثراء المادى لمن نجحوا فى الوصول للأراضى الأوروبية، وهؤلاء الشباب وأسرهم وبكل المعانى ضحايا. نعم ضحايا ضيق الحال وقلة الوعى، وأنا شخصيا لا أعرف ماذا سأفعل إذا شعرت بالاحتياج، وكاذب من يقول إنه يشعر مثلما يشعرون، لأنه لا أحد يستطيع تقدير ذلك الإحساس إلا من ذاقه على نفسه وأولاده. ويأتى العنصر الثانى فى هذه المعادلة، وهو تجار النقل لمن يريد الهجرة غير الشرعية وهم مافيا كبيرة بعضهم يستخدم البحر وبعضهم البر، وقلة منهم الجو. ومنهم من يستخدم حيلة الأوراق المزورة أمام السفارات أو فى المطارات ويبيعها للراغبين وآخرين يتولون نقل الأشخاص أنفسهم باستخدام البحر، على اعتبار أن مجرد الوصول للأراضى الأوروبية هو نجاح للمهمة التى للأسف نجحت من قبل كثيرا، وهؤلاء لابد ألا يتركوا ويعملوا منذ البداية، لأنهم أصحاب الراس المدبرة لهذه الجريمة. أما العنصر الثالث فهو الدولة التى هى فى الأول وفى الآخر مسؤولة عن حياة هؤلاء المواطنين ومسؤولة عن رقابة المياه الإقليمية ومسؤولة عن تحقيق الردع العام لمن يخالف القانون. ودعونا نذهب إلى فاجعة رشيد ما يزيد على مائة وستين نفساً بشرية راحت فى ساعات نتيجة محاولة فاشلة للهجرة غير الشرعية، رقم كبير وصادم، وحالة من الحزن العام فى مصر وداخل قراها وفى كل بيت شباب وأطفال ونساء شىء يفوق الوصف. ‎ما حدث هو غرق أحد مراكب للهجرة غير الشرعية وتدعى «موكب الرسول 1» بمنطقة شمال شرق بوغاز رشيد على بعد 12 كم تقريبًا، وكان على متنها نحو 400 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات السودان وإريتريا والصومال ومصر، مات منهم ما يزيد على مائة وستين ومازال البحث جاريًا عن أى ضحايا آخرين، نتيجة حادث غرق هذا المركب التى أقلعت من قرية مسطروة الواقعة بكفر الشيخ. وبعد هذا الحادث تباينت ردود الأفعال من كل جنبات المجتمع، اللى عاوز يعمل مشاريع علشان يشغل الشباب، واللى عاوز يحاكم أهاليهم، واللى عاوز يقدم استجواب ضد وزير الداخلية وحاجات كتير من النوع ده، إلا أنه إن اتفقت أو اختلفت مع ردود الأفعال، فإنك لن تستطيع الاختلاف على أن هناك أما مات ابنها، بعض الأهالى تسلم الجثة، والبعض الآخر مات دون أن تُسلم جثته. وأمام هذه الأم لابد أن نقف جميعا لنحاسب أنفسنا كى نعيد لها ولو جزءا صغير من حقها الذى لن يعود أبدا «اللى هايقول ماهى اللى شجعت ابنها إنه يسافر وباعت دهبها، هاقول له ربنا يوريك الاحتياج طعمه إيه عشان ما تطولش لسانك على الغلابة تانى». النيابة العامة بصفتها ممثلة المجتمع لابد أن تدخل إلى المحكمة، وهى تمسك بيد هذه الأم وفى قفص الاتهام يقف المسؤولون الحقيقيون عن هذه الجريمة، سواء كان مسؤولا مباشرا أو غير مباشر. ولا أتخيل إطلاقا ألا يحاسب مسؤول الأمن الذى استطاع هؤلاء التجمع فى دائرته من كل هذه الجنسيات وهو لا يعلم، لا أتخيل ألا يحاسب مسؤول الأمن عن موضوع إقلاع المراكب، ويجب أن نسأل إذا تمكن هؤلاء من هذا التجمع بعشرين ألف جنيه للواحد، فماذا يفعل هؤلاء الذين يتجمعون من أجل أعمال إرهابية داخل مصر الذين تقف وراءهم دول؟ لابد أن يحاسب مسؤول الإنقاذ ومسؤول الإسعاف، وكلمة الحساب لا تعنى الإدانة، وإنما لابد أن توضح كل جهة ما قدمته تجاه هذه الحادثة، وماذا فعلت؟ وهل كان توقيت فعله مناسبا؟ وهل تسبب تأخره أو عدم تحركه فى موت هؤلاء؟ لابد أيضا أن تكثف جهات التحرى «وده كان لازم من قبل»، العمل على ضبط هذا النوع من العصابات التى تخطط لمثل هذا النوع من الرحلات. أتوقع من السيد وزير الداخلية قرارات حاسمة وكاشفة فى هذه القضية. أما سياسيا فمحاولة المتاجرة بشعار «لو كانوا لقيوا شغل فى مصر ما كانوش سافروا»، أو « لابد من خلق فرص عمل للشباب»، فهذه الشعارات بتاعت المناسبات دى ينفع تقال للشهرة الإعلامية، واللى هيا صحيحة وفقا لما يقوله الكتاب وغير واقعية على الأرض فى نفس الوقت. والآن وبعد هذه الفجيعة من حق البرلمان أن تسأل كل أجهزة الدولة فى هذه القضية من أجل الوصول إلى الحقيقة، وليس من أجل إظهار البطولة على نظام حكومى وأفكار شعبية. نحن نعلم جميعا أن مشاكلها مزمنة لن تحل فى يوم وليلة. أتخيل أن تكون هناك خطة على مدى خمس أو عشر سنوات نعم، لكن مع إجراءات فورية صارمة وتشريعات رادعة. وما انتظره وهذا حق تماما لكل المصريين أن يلقى رئيس الوزراء بيانا أمام البرلمان عن هذا الحادث ويناقشه النواب فى كل التفاصيل. إننا أمام مصاب ألم بكل بيت مصرى، لكن إما أن نواجه أنفسنا بدراسة متأنية لمعرفة الأسباب دون انجراف وراء بطولة زائفة، وإما أن نستعد جميعا ليوم الحساب، حيث لا تليفزيونات ولا كاميرات، وسنسأل جميعا حاكما ومحكومين.



الاكثر مشاهده

"لمار" تصدر منتجاتها الى 28 دولة

شركة » كود للتطوير» تطرح «North Code» أول مشروعاتها في الساحل الشمالى باستثمارات 2 مليار جنيه

الرئيس السيسى يهنئ نادى الزمالك على كأس الكونفدرالية.. ويؤكد: أداء مميز وجهود رائعة

رئيس وزراء اليونان يستقبل الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمد العيسى

جامعة "مالايا" تمنح د.العيسى درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم السياسية

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي يدشّن "مجلس علماء آسْيان"

;