المكاسب المصرية من مؤتمر برلين حول ليبيا

بغض النظر عن النتائج النهائية لـ"مؤتمر برلين حول ليبيا"، هناك مكاسب كثيرة حققت مصر بالتأكيد، ولعل أبرزها فى هذا المؤتمر هو أن مشاركه الرئيس عبد الفتاح السيسى تأتى ترجمة حقيقية لحركة السياسة الخارجية المصرية، فى إطار انفتاح مصر على كل دول العالم وإحداث نوع من التوازن فى علاقاتها الاستراتيجية، وحرصها على مواصلة تعزيز علاقاتها بدولها فى كل المجالات، وتكثيف التواصل والتنسيق مع دول العالم و الاتحاد الأوروبى إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية المصرية. لقد وقف السيسي بصلابة المقاتل فى قلب القاعة الكبرى فى المؤتمر وقالها بوضوح: "لن نسمح لأحد" بالسيطرة على ليبيا، موقف مصر ثابت ولم يتغير فى ليبيا، فهى لا تتعامل مع ميليشيات أو تنظيمات مسلحة، ولكن تتعامل مع الجيوش الوطنية النظامية الشرعية، وهذا أمر يجب أن يكون واضحاً، وفى هذا الصدد أكد على أن وقف إطلاق النار يجب أن يقوم على نزع أسلحة كافة المليشيات المسلحة، الأمر الذى دفع "أنجيلا ميركل" إلى تؤكد على قوة مصر، حين قالت ردا على السيسي : مصر لها نفوذ متزايد فى الشؤون الدولية والإقليمية ربما كانت البنوك والمواد التى صدرت فى البيان الختامى من أهم نتائج مؤتمر برلين، لكن أخطر ما حدث فى قلب المفاوضات بين هؤلاء المؤتمرين فى العاصمة الألمانية كانت تلك الطلقة من الرصاص الحى فى مشروع "أردوغان" من خلال تصريح الرئيس الفرنسى "ماكرون"، والذى قال بوضوح وشجاعة: "ندعو تركيا إلى الكف عن إرسال مقاتلين سوريين إلى طرابلس دعماً لحكومة السراج"، وهذا بالتأكيد يكشف عن توجس أوروبى بخطر التدخل التركى فى ليبيا، وأن أردوغان لم يذهب إلى طرابلس ساعيا للسلام كما يدعى مستشاره "ياسين أقطاى"، والسؤال المطروح الآن : هل يطاوع "أردوغان" أحلامه وضلالاته فى إرسال 6000 سورى آخرين إلى ليبيا مقابل منح الجنسية التركية ومنحهم راتباً شهرياً 2000 دولار، وراتباً لأسرهم 300 دولار؟. الأيام القادمة سوف تكشف لنا حقيقية العثمانلي، خاصة أن مصر تقدمت فى هذا المؤتمر بملف خطير الى كل من "بوتن ووزير خارجيه أمريكا وماكرون ورئيس وزراء ايطاليا والأمين العام للأمم المتحدة وغسان سلامة والرئيس الجزائرى وبعض الدول الفعالة فى برلين"، وهذا الملف كامل وشامل يثبت بالدليل القاطع علاقه "السراج وأردوغان" بداعش والتيارات المتشددة والمتمثلة فى "فجر ليبيا" من تلاميذ الإخوان الذراع السياسى لقطر، وهى جميعها موثقه بالمستندات والفيديوهات والصور، والتى تثبت أن مصر لديها معلومات كامله وموثقة، وهذا ما أكدته الصورة الشهيرة التى يستمع فيها زعماء العالم للرئيس السيسى وبقراءة متأنية للتفاصيل التى تبدو على وجه الجالسين سيتضح لنا وعى القيادة السياسية المصرية فى الظرف الراهن .. فتحية تقدير واحترام لأجهزة الاستخبارات المصرية وتحية أكبر قبلها للرئيس والخارجية المصرية. ولعل ما ذهبت إليه التوصيات الـ 18 فى قمة برلين تؤكد تماما ما ذهب إليه السيسي، والدليل على ذلك أن يغير "غسان سلامة" موقفه بزاوية 180 درجة، ما يبدو واضحا فى تصريحه الذى هدد فيه "أردوغان" صراحة، عندنا قال : أن لديه ورقة تمكنه من محاسبة الرئيس التركى "رجب طيب أردوغان" فى حال إرساله مرتزقة من سوريا إلى ليبيا، خاصة أن الرئيس التركى تعهد فى البند الخامس من البيان الختامى لمؤتمر برلين بعدم التدخل فى ليبيا، وقال المبعوث الأممى الخاص إلى ليبيا "إن هناك مشروعًا سنتقدم به إلى لجنة 5 + 5 ليتخلى الليبيون عن المقاتلين الأجانب، ليس فقط الـ 2000 سورى بل وآلاف آخرين. نعم هنالك آلاف قد وفدوا إلى الأراضى الليبية، حيث تم تسليم واحدة من أولى دفعات المرتزقة من "إدلب" إلى مطار مصراتة الليبى فى ديسمبر الماضي، وكان هناك حوالى 300 مسلح، وفى أوائل يناير تم إرسال أكثر من ألف مرتزق من سوريا، ومن المعروف أن هؤلاء المقاتلين يوقعون عقودًا لمدة ستة أشهر مع حكومة الصخيرات، فيما تم تشكيل فصيل مسلح من المرتزقة تحت اسم "عمر المختار"، وتم تجديده فى الوقت المناسب بفضل الدفعات التركية، وفى 16 يناير تم تسليم أكثر من 3500 مرتزق من تركيا إلى طرابلس ومصراتة، ويوجد حوالى 2000 مرتزق فى المناطق التالية: "طريق المطار ،وادى الربيع، بوسليم، الخلاطات، فى مناطق صلاح الدين، وعين زارة، ووادى الربيع، وقد وصل أكثر من 500 مقاتل إلى جانب وحدات مصراتة إلى منطقة "السداد". كل هذا يؤكد على الأخبار التى تفيد بأن حكومة الصخيرات لا تلتزم بوقف إطلاق النار، وإنهم يحصنون مواقعهم ويهاجمون الجيش الليبى فى عدة اتجاهات، على الرغم من هذا فإن المسلحين يعانون باستمرار من خسائر كبيرة، ولا يكف الرئيس التركى عن استخدام المرتزقة السوريين كأداة خاصة به، يرسلهم إلى الموت المؤكد، لأنه فى سوريا لم يعد بحاجة إليهم، بالإضافة إلى ذلك، بدأ رجب "أردوغان" بإرسال عناصر من الجيش التركى إلى ليبيا مؤخرا، وهذا يثبت أن "السراج وأردوغان" غير مهتمين بحل النزاع الليبي، بل إنهم على استعداد لإثراء أنفسهم بأى ثمن على حساب الشعب الليبي. ورغم كل تلك الممارسات المشينة فإنه يظل "أردوغان" يتشدق دوما بحديث لا يرقى إلى الواقع بصلة، ولا يعلم أنه بذلك يطوق الحبل حول رقبته جراء التورط يوميا فى المستنقع الليبي، ورغم إقراره فى "البند الخامس" بعدم التدخل فى ليبيا، إلا إنه يرى أن بيان برلين لا يمثل له أهمية كبيرة بالنسبة له ، بل يراه بمثابة حجر عثرة يمكن أن يتجاوزه، فهذا البيان يمثل من وجهة نظره القاصرة خطوة للأمام، لكنها فى نفس الوقت قابلة للتراجع، وربما يرى أيضا أنها محاولة من جانب المجتمع الدولى لترميم جدار يمكن أن يسقط فى أى لحظة، أو مجرد تسكين لمرض يمكن أن يستفحل، وفعل مؤقت يمكن أن يصبح أبدياً، كل ذلك بالطبع يتوقف على فهم "أردوغان" الرسالة على نحو صحيح، أم ستغلبه كالعادة طموحاته الجامحة نحو استعادة الخلافة العثمانية من جديد؟. المعطيات الموجود على أرض الواقع الليبى قد لاتشير إلى حللة الموقف فى الوقت الحالى بحسب البيان الختامى للمؤتمر فى بنده الرابع والذى يلفت الانتباه إلى أن الصراع فى ليبيا يظل يراوح مكانه، فى ظل انعدام الاستقرار فى البلاد، والتدخلات الخارجية، والانقسامات المؤسسية، وانتشار كميات كبيرة من السلاح دون رقابة، واستمرار الاقتصاد القائم على السلب والنهب، كل ذلك يمثل تهديدا للسلام والأمن الدولي، حيث يوفر كل ذلك تربة خصبة للمهربين والجماعات المسلحة والمنظمات الإرهابية، وهذا الأمر قد سمح أيضاً لتنظيمى "القاعدة" و"داعش" بالازدهار فى الأراضى الليبية، وتنفيذ عمليات داخل البلاد وفى دول الجوار، وكذلك يسّر بالتالى حدوث موجة مسببة لعدم الاستقرار من الهجرة غير الشرعية فى المنطقة، وتدهور كبير للوضع الإنسانى. قد يكون هنالك تأكيد من جانب الحضور فى مؤتمر برلين بأنهم ملتزمون بدعم الليبيين فى معالجة تلك المشكلات المتعلقة بالهيكل الحكومى والأمن، لكنهم فى "البند السادس" من البيان أكدوا على أن يلتزموا جميعا بالامتناع عن التدخل فى الصراع المسلح، أو فى الشأن الداخلى الليبي، وحثّ جميع الأطراف الفاعلة الدولية على القيام بالمثل، وهذا البند يمثل غرابة عجيبة فى الموقف، فكيف يدعو أعضاء المؤتمر فى البند التاسع إلى اتخاذ خطوات ذات مصداقية قابلة للتحقق، ومتسلسلة، ومتبادلة، تبدأ بهدنة تلتزم بها جميع الأطراف المعنية، وتؤدى إلى وقف شامل ودائم للأعمال العدائية كافة، بما فيها عمليات القصف الجوى فى الأراضى الليبية، دون وقف الصراع المسلح وتفاهم واضح مع الأطراف الداخلية فى ليبيا، خاصة أن الأمر يتطلب وقف الأعمال العدائية، وإعادة نشر الأسلحة الثقيلة، والمدفعية، والمركبات الجوية، وإيواءها وتجميعها، وإنهاء كل التحركات العسكرية التى تقوم بها الأطراف المتصارعة، أو التى تتم كدعم مباشر لها، فى الأراضى الليبية كافة مع بداية عملية وقف إطلاق النار. على أية حال هناك شبه تناقض واضح فى نص البيان من الناحية العملاتية، فلابد أن يكون هناك حوار مباشر وملزم لكافة الأطراف الداخلية فى ظل البند "10 – 11 – 12 -13" والتى تدعو جميعها إلى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة مثل تبادل الأسرى ورفات القتلى، والعوة لعملية شاملة تبدأ بالتزامن مع ترتيبات وقف إطلاق النار، وتسريح أفراد الجماعات المسلحة، ونزع سلاحها فى ليبيا، ودمج الأفراد المؤهلين فى المؤسسات المدنية، والأمنية، والعسكرية، بالدولة، على أساس فردي، وبناء على إحصاء لأفراد الجماعات المسلحة، وعمليات تدقيق مهنة، وهو الأمر الذى دفع المؤتمر إلى مطالبة الأمم المتحدة بتقديم المساعدة لإنجاز هذه العملية. وأيضا هنالك ادعوة إلى وضع ترتيبات أمنية مؤقتة فعالة يحمى من خلالها الجيش، والشرطة، وقوات الأمن، المناطق السكنية، ومرافق البنية التحتية الحيوية، بما فى ذلك المقرات الحكومية، والمطارات، والموانئ، والمعابر الحدودية، ومنشآت النفط، ومحطات الكهرباء، ومرافق البنية التحتية الاستراتيجية الخاصة بالمياه، والأهم فى كل ذلك تؤكد جميع الأطراف مرة أخرى على انفصالها عن أى جماعات إرهابية مدرجة على قائمة الأمم المتحدة. والحقيقة أن البنود من" 15 إلى 18" تبدو منطقية بل تعد أهم ما فى بيان مؤتمر برلين والتى تنص على دعوة الأمم المتحدة إلى تيسير مفاوضات وقف إطلاق النار بين الأطراف، ويشمل ذلك إنشاء لجان فنية فورا لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، والتحقق من ذلك، إلى جانب تسريح أفراد الجماعات المسلحة، وتنفيذ الترتيبات الأمنية المؤقتة، أيضا دعوة مجلس الأمن إلى فرض عقوبات ملائمة على من يثبت انتهاكه ومخالفته لترتيبات وقف إطلاق النار، وإلزام الدول الأعضاء بتنفيذها، وكذلك ندعو الدول الأعضاء إلى الالتزام بدعم البند الخاص ببعثة الأمم المتحدة للدعم فى ليبيا بالتوافق مع قرار مجلس الأمن رقم 2486 لعام 2019 بتوفير ما يلزم من أفراد ومعدّات لدعم عملية وقف إطلاق النار بنجاح. كل هذا يبدو جيدا للغاية ويسعى إلى حل الأزمة الليبية عن طريق تدخل المجتمع الدولى ، لكن البند الثامن عشر يعد هو حجز الزاوية فى هذا البيان حيث يدعو إلى حظر توريد الأسلحة، فضلا عن الالتزام بشكل صريح وكامل باحترام حظر توريد الأسلحة الوارد فى قرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011 وتنفيذه، وكذا ما أعقبه من قرارات المجلس بما فى ذلك حظر انتشار الأسلحة فى ليبيا، وندعو جميع الأطراف الفاعلة الدولية إلى القيام بالمثل. خلاصة القول: أن مصر أثبتت عبر قيادتها الحكيمة ودبلوماسيتها العريقة ومعلوماتها الاستخبارتية فى هذا المؤتمر أنها تعمل جيدا فى تصديها لكافة القضايا الإقليمية والدولية وهى فى ذلك لاتخشى فى الحق لومة لائم، بل أن لديها ثوابت قوية فى تعاملها مع كافة القضايا المعقدة، وقد بدا ذلك واضحا فيما أكده الرئيس السيسى بقوله : لا سلام بدون قوة ولا قوة إلا لمن يملك العتاد والسلاح، مصر التى تمد يدها بالخير والسلام هى مصر ذاتها التى ستدافع عن حقوقها بكل ماأتاها الله من قوه.. حمى الله مصر من كل شر.


الاكثر مشاهده

أتالانتا يدافع عن مدربه: لم يصب بكورونا في مباراة فالنسيا

ارتفاع عدد المصابين بكفر الشيخ لـ392 حالة وسلبية 757 آخرين وشفاء 112 مريضا

إخماد حريق نشب داخل شقة سكنية فى حلوان

نائب محافظ القاهرة يكشف آليات تطبيق إجراءات مواجهة كورونا

المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية: سنحتفل بالعيد فى الكنائس بـ6 أفراد فقط

ضياء رشوان يعلن إجراءات مواجهة كورونا بين الصحفيين وأسرهم

;