التاريخ والسياسة والاستقطاب عند «زعماء الافتراض السيبرانى»

لا يمكن اتخاذ مواقع التواصل الاجتماعى قاعدة للتاريخ أو الحصول على نتائج فقط، يمكن الحصول على حالة فرجة على الاستقطاب والتنابذ الأقرب إلى ما يجرى بين جماهير كرة القدم، الكرة لا تصلح إلا بالمنافسة، لكن التشجيع تحول فى السنوات الأخيرة إلى حرب حقيقية واتهامات وشتائم، وهو أمر طبيعى فيما يتعلق بالتشجيع الرياضى، لكن خلال السنوات الأخيرة انتقل الاستقطاب من الرياضة للسياسة، وانتقلت العدوى إلى مواقع التواصل، وأصبحنا أمام فرق من المختلفين الذين يتحاربون بالكلام، من دون أن يبحث أى منهم عن أى مساحة مشتركة. كانت مناسبة رحيل الرئيس الأسبق حسنى مبارك أحدث صورة لهذه العركة المنصوبة على مواقع التواصل التى تتصف بالاستقطاب والحدية وغياب الحوار، وخلال ساعات تفرجت على عدد من «الفريندز» على صفحتى بفيس بوك، لا يفصلهم عن بعضهم مليمترات، وكل منهم يعتبر نفسه «مرجعية المراجع وعارف المعرفة وبيت الخبرة»، وكل منهم يهدد المختلفين معه بالبلوك، فى نموذج للحوار النافع حول المستقبل. وطبعا الصورة على مواقع التواصل غير حقيقية، تشبه مرايا السيارات التى تنبه إلى أن المسافات والأبعاد غير حقيقية، مكان تحكمه المشاعر والمبالغة سلبا أو إيجابا، ولا مجال فيه للمواطنين الطبيعيين الذين هم فى الواقع أغلبية، ونحن نقترب من عشر سنوات يفترض أن تكون هناك مساحات للتحاور والتقييم بعيدا عن الصبيانية السياسية التى يحكمها الكيد والاستعراض، أكثر مما تحكمها الرغبة فى المعرفة. الواقع المؤكد هنا هو أن حسنى مبارك رحل، وأننا نقترب من عشر سنوات على 25 يناير 2011، وبالرغم من قصر هذه المدة، فإن هناك اختلافات فى رواية تفاصيلها، وأخطر ما أضاعها هم هؤلاء الذين عينوا أنفسهم وكلاء وحيدين للتغيير، ولم يقدموا سوى الكلام، ووصل الغرور ببعض وكلاء الثورة المتقاعدين أنهم يتجاهلون عجزهم وفشلهم، ويهاجمون الشعب ويتهموه بأنه لا يعرف ولا يفهم، ولا شك أن الحكم بفشل أو نجاح أى حدث كبير لا يمكن خلال سنوات، وإنما تحدده النتائج والتفاعلات، وربما يكون «زعماء الافتراض السيبرانى» بحاجة لتقييم أنفسهم وأدوارهم، وهو أمر أكثر فائدة من التفرغ للردح وإنتاج بوستات بكائية لا تتجاوز البحث عن لايكات. أما عن مبارك فقد رحل، وما زال البعض يعيش عقدة مبارك، وهم يعرفون أنه مرحلة وانتهت، وأنه لا يمكن إعادة التاريخ للخلف، والتاريخ ليس ملكا لفرد أو فصيل، لكنه تفاعل يتجاوز الاستقطاب الكروى «باللايك والبلوك«. ومن المفارقات أن أكثر زعماء العالم الافتراضى دعوة للديموقراطية وحرية الرأى هم أكثر من مارسوا البلوك والصدام تجاه المختلفين معهم، وتصل الكوميديا أقصاها أن عددا ممن يهاجمون الشعب ويتهموه بالانبطاح كانوا يدعون الناس للسير وراء المقاول، واعتبروا محمد على زعيما سياسيا، ونفس هؤلاء اليوم يتهمون الشعب بالخضوع والخنوع. كان من الطبيعى بعد مبارك والحزب الوطنى أن تظهر حركات سياسية تمتلك القدرة على طرح بديل، وتقديم مبادرات سياسية تعيد تشكيل التنظيم السياسى، بما يسمح بمشاركة، لكن ما جرى هو مزيد من الاستقطاب والمشاجرات والتنافس على الكاميرات، وبالتالى فقد فشلوا بالرغم من رحيل مبارك عن الحكم واصطفوا خلف تنظيم الإخوان، ومع الوقت فقدت الحركات التى عارضت مبارك ونظامه بريقها وحتى فيس بوك وتويتر أصبحت مجالاً للنميمة، والشتائم، والاستعراض والتباهى ببطولات مجهولة، وبناء عليه فقد تغير تقييم الجمهور لزعامات افتراضية. اليوم رحل مبارك عن الدنيا، وما تزال عقدته تحكم كثيرين من مؤيدين ومعارضين، يبقون عند حالة الكيد السياسى، مبارك ما يزال عقدة نفسية وسياسية لقطاع من السياسيين والأحزاب بل والشباب الناشطين، كانوا يستمدون قوتهم من نظام يعارضونه، فلما سقط سقطوا معه، أو كأن هؤلاء كانوا يطالبون بسقوط شخص، وليس بتغيير نظام وطريقة تفكير.


الاكثر مشاهده

نقابة صيادلة الإسكندرية تعلن توفير كحول إيثيلى 40 عبوة حد أقصى للصيدلية

شاهد أحمد عيد عبد الملك يتقمص دور محمد هنيدى على "تيك توك"

الأهلى يخطر الأطباء الألمان بموقف الرباعى المصاب عبر "واتس آب"

جوزيب بوريل: 5 آلاف عضو بالاتحاد الأووربى ينفذون 17 مهمة مدنية وعسكرية

لمرضى القلب.. العامل النفسى "سلاحك" ضد كورونا.. فيديو

بنك مصر يعلن عن قنوات تواصل مع عملائه الراغبين فى سداد أقساط القروض بدون تأجيل

;