"الروبوت" مسخ لا يخدم نفسه

أذكر درساً مهما في الصف الخامس الابتدائى، كان عنوانه تحديات سنة 2000، ولعل كل أبناء جيل الثمانينيات ومن قبلهم قد عاصروا هذا الدرس، الذى كان يرى أن العالم سيتغير رأساً على عقب، والسيارات سوف تسير بعصير القصب، في رؤية خاصة طرحها الأديب والمفكر والروائى الكبير توفيق الحكيم، في عدد من المقالات، جمعها في كتاب واحد يحمل اسم تحديات سنة 2000، وقد كتبه بين أواخر السبعينيات، أي قبل سنة 2000 بما يزيد عن 20 عاماً. توفيق الحكيم اقتبس فكرة كتابه من الاجتماع الذى عقدته اليونيسكو في باريس، أواخر السبعينيات بعنوان تحديات سنة 2000، وطلبت من الروائى الكبير أن يلقى كلمة في هذا المجال، وتحدث في ذلك الوقت عن مشكلات الطاقة التي تهدد تقدم الإنسان، حال عدم التغلب على مشكلة نضوبها، وقضية التنكولوجيا وما قد ينتج عنها من تطور، يصل في النهاية إلى التخلي عن الدور التقليدي للقوة العضلية للإنسان، ثم تطرق الحكيم إلى قضية مهمة من خلال طرح تساؤل، هل المستقبل للذكاء أم الذاكرة؟ وهنا يقول:" إن الإنسان العصرى قد لا يحتاج إلى الذاكرة لأن الأجهزة الحديثة في التسجيلات والحاسبات والإلكترونيات ستكون في متناول يده وفى جيبه في كل وقت، والإنسان سوف يحتاج إلى الذكاء، الذى يمكنه من استخدام هذه الذاكرة، وعلى ذلك فقد يسمح في امتحانات الغد باستعمال المراجع والقواميس، والكتب التي تحوى المعلومات المحفوظة، وفى هذه الحالة لن توضع الأسئلة على أساس الذاكرة والحفظ، لكن على أساس الذكاء." الرؤية التي طرحها توفيق الحكيم في مقالاته بكتاب تحديات سنة 2000، بالطبع مقدرة وهامة، إلا أن سنة 2000 جاءت ومر بعدها 21 عاماً ولم تتحرك السيارات بعصير القصب، ولم يحل "الروبوت" مكان الإنسان، فما زال العمال هم وقود المصانع وأهم ما فيها، ولم تنجح النماذج الآلية في السيطرة على الحياة كما روج البعض، ولا أظن أن هذا سيحدث بالصورة السهلة التي تبناها الكثيرون قديماً أو حديثاً. لا أنفعل كثيرا مع بعض الآراء التي تقول إن الإنسان الآلى أو "الروبوت" سوف ينافس الإنسان في الوظائف ويقلص من فرصه في سوق العمل، إلا أن الحقيقة تكمن في تطور الوظائف، وتغير المواصفات التي تحتاجها، دون أن يكون مرتبطاً بقدرة الروبوت أو مهارته، فقد صار الأمر يعتمد على الكفاءة والإبداع، وليس مجرد الأداء الحركى التقليدى، لذلك أتصور أن الروبوت سيظل ربوت لا أكثر ولا أقل، بينما الإنسان سيظل الجوهر والمحرك الرئيسى والمسيطر، فالتطور الذى تشهده الوظائف أو أسواق العمل، والتنكولوجيا التي تسير في طريق التطور بسرعة الصوت، سيكون العنصر البشرى فيها هو المحرك الأول. الإنسان الآلى بمعناه التقليدي، وصورته التى تشبه الإنسان العادى فكرة لا أراها إبداعية كما يروج البعض، فالروبوت ليس أكثر من غسالة أو ثلاجة في المنزل، يثير إعجاب البعض لأنه يخاطب هيكل معدنى يسمع ويتكلم، إلا أنه مع التجربة سيكتشف أن هذا الهيكل الحديدى الضخم لن يصلح لأداء وظيفة خادمة أو بإمكانه التسوق أو إعداد الطعام، بل سيتحول إلى عبء ثقيل، فمن نريده أن يخدمنا سنتحول نحن لخدمته، فيحتاج إلى الشحن والتنظيف والبرمجة وإعادة الضبط بين الوقت والآخر، لذلك لا أتصور أن الصناعة الربانية المتقنة " الإنسان" يُمكن أن تستبدل بمسخ اسمه "الروبوت"، غير قادر على خدمة نفسه.



الاكثر مشاهده

أهالى أكياد البحرية بالشرقية يطالبون برفع القمامة.. ورئيس المدينة يستجيب

تراجع مؤشرات البورصة المصرية بمنتصف التعاملات بضغوط مبيعات أجنبية

الكشف عن متعاطى المخدرات لموظفى حى الشرق فى أول أيام رمضان ببورسعيد

مسلسل "اللى مالوش كبير" يتصدر تريند جوجل بعد عرض الحلقة الأولى على CBC

ضبط 3 أطنان دقيق مدعم ومعاد تدويرها بمخزن بطوخ قبل طرحها بالسوق السوداء

التنمية المحلية تعلن توفير فرص عمل لأبناء قرى "حياة كريمة" بمشروعات المبادرة

;